وهكذا يستعمل الوهابيون التقية من المسلمين فلا يصرحون بصفات معبودهم، ثم تراهم يشنعون على الشيعة لاستعمالهم التقية من السلطات في مسألة الإمامة والصحابة!

إن الباحث في توحيد الوهابيين يرى نفسه بين أمرين: إما أن يحكم على علمائهم بعدم الفهم، أو يحكم عليهم بأنهم يستعملون التقية في الإفصاح عن معبودهم، ولكنه يرى أن ابن عبد الوهاب وبعض تلاميذه المعاصرين مثل ابن باز والألباني، وأسلافهم كالذهبي وابن تيمية ومجسمة الحنابلة، يفهمون معنى الحمل على الظاهر وما يستلزمه من تجسيم، ولكنهم يدافعون عن أنفسهم أمام المسلمين بنفي هذه اللوازم، بينما يظهر التجسيم في كلماتهم وما يسرونه للخاصة من أتباعهم! مما يكتم تفسيره على حد قول ابن تيمية!

أو بالقول إن ما ورد في القرآن والسنة هو نفي الند والمثل والكفء أما الشبيه فلم يرد فيه نفي فلا مانع من القول به لا عقلاً ولا شرعاً، كما تقدم من كلامه!!

وأحياناً تظهر عقيدتهم في معبودهم صريحة في فلتات ألسنتهم وأفعالهم، كما ظهرت من ابن تيمية على منبر دمشق!! ويكفي للباحث عن حقيقة مذهبهم قول الذهبي المتقدم إن ذلك من (العلم المباح لا يجب بثه، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء)!

وقوله في سيره: 20/331:

(ومسألة النزول فالإيمان به واجب وترك الخوض في لوازمه أولى). انتهى.

وكلمة (تركه أولى) تعبير فقهي معناه أن قوله جائز ولكن الأحسن تركه، فهو ملتفت إلى أن لوازم مذهبه التجسيم وملتزم بها، ولكنه يفضل عدم الكلام فيها حتى لا يكون ذلك ممسكاً عليه عند المنزهين!

وأما عوام الوهابيين فهم عوام أقحاح لا يعرفون إلا مدح مذهبهم بأنه مذهب التوحيد ومذهب السلف الصالح من الأمة، ولا يعرفون معنى التأويل والتفويض والحقيقة والمجاز.

وأما طلبتهم وأكثر خريجيهم فيتصورون أن حمل آيات الصفات على الظاهر الحسي هو مذهب جمهور الأمة وسلفها الصالح، لكثرة ما لقنوهم ذلك في كتبهم الدراسية ووسائل إعلامهم، ولا يكاد أحدهم يعرف معنى الحمل على الظاهر ولا لوازمه!

تقول لأحدهم: إن قول علمائك بأن الله تعالى جالس على عرشه، وإنه ينزل إلى الأرض كما نزل ابن تيمية عن درج المنبر في الشام، يلزم منه تحديد الله تعالى بالمكان والزمان وصفات المكين والزمين!

فيجيبك: كلا، لا يلزم من ذلك التشبيه والتجسيم! لأنه يجلس كما يليق بجلاله، وينزل كما يليق بجلاله..!

ويتصور هذا الطالب المسكين أنه إذا لقلق لسانه بقوله (كما يليق بجلاله) فقد حل المشكلة العلمية، أو دحا باب خيبر! فمثله كمثل الذي يأكل ويشرب في وضح النهار، ثم يصر على أنه صائم لم يذق شيئاً! لأنه صام كما يليق بصيامه، وأكل كما يليق بجنابه! مع أنه لم يبق شيئاً حسناً يليق بجنابه!

ومثله كمثل الذي قالوا له عن أستاذه وإمامه: رأيناه يشرب الخمر، فقال: لا، إنه بمجرد أن يلمس كأسها تصير شراباً طهوراً من الجنة. فقالوا له: رأيناه دخل إلى بيت زانية! فقال: لا، إنه بمجرد أن يلمسها تتحول إلى حوراء عيناء من الجنة!

ولكن الحقيقة لا تتغير بلمسة ذلك الشخص، ولا بقول هؤلاء، ولا بقول الطلمنكي!

ويدل النص التالي للسبكي أن التقية كانت معروفة عن أسلاف الوهابيين، وأن بعض علماء السنة المنزهين قد بين سببها!

قال في طبقات الشافعية: 8/222:

(قال الشيخ بن عبدالسلام: والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان: أحدهما لايتحاشى من إظهار الحشو، ويحسبون أنهم على شئ! والآخر يتستر بمذهب السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه). انتهى!!


شاركوا هذا الخبر