خوزستان – النخيل: خوزستان أرض تنبض بحرارة الشمس وامتداد بساتين النخيل، وتُعد أحد أهم أقطاب الزراعة في المنطقة، وتمتلك إمكانات فريدة في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وخاصة التمور. هذا المنتج ليس جزءاً من الثقافة والهوية الزراعية للمحافظة فحسب، بل فرصة ذهبية اقتصادياً لدخول العملة الصعبة وتطوير الصناعات التحويلية.
ومع ذلك، فإن هذه القدرة الهائلة والإمكانات الاقتصادية العالية تواجه واقعاً إدارياً وهيكلياً مراً أدى إلى نوع من الركود. بينما يتجه العالم نحو استخدام التقنيات الحديثة في تصنيع المنتجات البستانية، لا تزال صناعة التمور في خوزستان عالقة في دورات تقليدية متكررة تؤدي إلى هدر رأس المال والفرص الاقتصادية.
ما الذي يجري في صناعة التمور بخوزستان؟
وقال ماجد مطوريان، رئيس جمعية تمور خوزستان، في حوار مع إيسنا إن التحديات متعددة المحاور: ملوحة المياه في آبادان وخرمشهر وشادگان، وتوفير رأس المال العامل، والالتزامات بالعملة الأجنبية والتعهدات، ومسائل الضمان الاجتماعي وأقساط التأمين لأصحاب الورش، وغياب التسهيلات لتحديث ورش التعبئة وتجهيزها بالتقنيات الجديدة.
وأوضح أن شراء التمور يجب أن يتم خلال 20 يوماً إلى شهر ثم تصنيعها وتعبئتها وتصديرها على مدار عام، وهو أمر يستغرق وقتاً ويكلف كثيراً ولا تقوى عليه الورش والشركات، ويحتاج إلى سيولة لدفع مستحقات المزارعين مبكراً واستمرار عجلة الإنتاج.
وأشار إلى ضعف البنية التحتية للتصنيع قائلاً إن التصنيع في خوزستان قليل جداً ونحن في الواقع نعبئ فقط. التصنيع يعني تحويل التمر من شكله الظاهري إلى شكل آخر، وللأسف نحن ضعفاء في هذا المجال ولا نملك شيئاً عملياً. محافظات مثل أذربيجان الشرقية والغربية لديها شجرة واحدة (صنف) وتملك المرتبة الأولى في التصدير لأن رأس المال والمعدات وُفرت لها، بينما نضطر نحن لبيع التمر خاماً فتذهب القيمة المضافة إلى جيوب الآخرين.
وبشأن الالتزامات بالعملة الأجنبية، قال إن الحكومة لم تعطِ أي عملة للقطاع الزراعي، فلماذا نسلم عملتنا للحكومة دون أن نكون قد حصلنا على عملة للتصنيع أو غيره؟ يجب أن يعود هذا المال لتدور عجلة الإنتاج.
وعن مشاكل التصدير، أشار إلى أن إغلاق الحدود المائية بسبب العقوبات أجبرنا على استخدام مسار تركيا، حيث زاد وقت توقف البضائع كثيراً وتُتلف الكراتين أو تُصاب الشحنات بأضرار، مما يجعل الزبون يرفضها أحياناً. كما أن الحظر المفاجئ على التصدير يسبب مشاكل، خاصة أن 90% من صادراتنا من صنف واحد (الاستعمران) الذي لا سوق داخلي له وهو مخصص للتصدير فقط، وكذلك التمور الصناعية.
وانتقد التسعير الإلزامي قائلاً إن العرض والطلب يجب أن يحددا السعر، لكن الحكومة تسعر، بينما اشتريت التمر وخزنته ولا أعرف إن كان الطريق سيُغلق غداً، والمزارع يطلب ماله، فما الضمان إن لم يُبع الشحنة؟
وعن نقص مياه النخيل، قال إن آبادان وخرمشهر وشادگان شهدت انخفاضاً بنحو 30% في المحصول هذا العام، وآثار الجفاف السابق مستمرة، ويجب التخطيط السنوي للري بعد الحصاد.
وشدد على ضرورة مراعاة نمط الزراعة وزراعة الأصناف المطلوبة في السوق، محذراً من التركيز المفرط على أصناف مثل البرحي والمجول والبيارم، بينما كل منطقة تثمر صنفاً جيداً، وخوزستان مخصصة لصنف الاستعمران.
وأشار إلى غياب المخازن الباردة في المحافظة، فهناك مخزن واحد حكومي في آبادان لا يُسمح بوضع البضائع فيه أو يكون مكلفاً، بينما كرمان وبوشهر لديهما فائض. صنف البرحي سيتحول إلى أزمة خلال خمس سنوات لعدم وجود طاقة تخزين.
وانتقد نسبة التأمين الاجتماعي 30% لأصحاب الورش والغرامات 10% عند أي تأخير، مقترحاً استمرار الخدمات للعامل أثناء الغرامة وإعطاء مهلة ثلاثة أشهر في ظروف الحرب والعقوبات.
من جانبه، قال عليرضا جعفرنجادي، رئيس معهد بحوث التمور والفواكه الاستوائية في خوزستان، إن كل حلقة في سلسلة القيمة لها تحدياتها. في الإنتاج أهمها موارد المياه والتربة؛ النخيل تواجه نقص المياه أو رداءة جودتها، والتربة تعاني من الإرهاق وانخفاض الخصوبة مما يؤثر على جودة المحصول.
وأضاف أن هناك تحدياً ثقافياً يتمثل في عدم تحديث معلومات النخلّاد ومقاومته للتوصيات العلمية. كما أن السعر المضمون لصنف الاستعمران لا يغطي تكلفة الإنتاج مما يسبب إحباط النخلّادين وهجر البساتين.
وأكد ضعف التصنيع والتعبئة بعد الحصاد في خوزستان، حيث تذهب أرباح القيمة المضافة إلى محافظات أخرى، مشبهاً الوضع بزعفران إيران الذي تأخذه إسبانيا وتبيعه بأسعار مضاعفة. ودعا إلى تطوير الأصناف المحلية وحماية الجينات، وتوفير مياه مستدامة وأولوية للتمور كمنتج بستاني أول، وتخصيص حصة السماد، وتشجيع القطاع الخاص على التصنيع.
أما جواد كاظم نسب، نائب المحافظ للشؤون الاقتصادية، فقال إن خوزستان تمتلك قدرة ملحوظة في إنتاج التمور ويجب استثمارها بشكل أكثر فعالية لتنمية المناطق النخلية. التطوير الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على الإنتاج والبيع الأولي، بل يجب أن يشكل سلسلة كاملة مربحة من الحصاد إلى التصنيع والتصنيف والتعبئة والتسويق الداخلي والخارجي.
وأشار إلى بدء تنفيذ مشروع مصفاة تصنيع التمور في شركة سكر حكيم فارابي باستثمار شركة تطوير السكر والصناعات الجانبية، في إطار الاتفاقات المبرمة خلال زيارة الرئيس والحكومة إلى خوزستان، مما يمكن أن يساعد في تجميع وتصنيع وعرض أكثر تنظيماً لتمور المحافظة.
وخلص التقرير إلى أن صناعة التمور في خوزستان تواجه «أزمة متعددة الأوجه» تبدأ من الإنتاج (نقص المياه وملوحة التربة) وتتوقف عند التصنيع لغياب رأس المال والمعدات، وتنتهي عند التصدير بتحديات لوجستية وقوانين إلزامية. يتطلب التطوير عزماً جاداً من المسؤولين وتعاوناً من القطاع الخاص ومشاركة النخلّادين، مع تسهيلات منخفضة الفائدة ومخازن باردة وإصلاح سياسات التصدير والتسعير لتحويل خوزستان من منتج خام إلى قطب تصديري ذي قيمة مضافة عالية.



















