الأهواز – النخيل: لم تعد أزمة المياه في إيران، وفي مقدمتها محافظة خوزستان، مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى جزء من الحياة اليومية لملايين المواطنين. فالجفاف المتكرر، وإن كان نقطة انطلاق الأزمة، إلا أن ما حوّلها إلى كارثة متعددة الأبعاد هو سوء الإدارة المزمن في تخصيص الموارد المائية واستهلاكها والحفاظ عليها، بحسب تحليل نشرته وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية.
سوء الإدارة.. الحلقة المفقودة في التوازن المائي
يشير التحليل إلى أن أبرز عائق أمام الخروج من أزمة شح المياه في إيران يكمن في النمط الخاطئ لحوكمة المياه، ويتجلى ذلك على عدة مستويات: أولاً، استمرار السياسات التشجيعية لزراعة محاصيل عالية الاستهلاك المائي كالبطيخ والفستق في مناطق قاحلة وصحراوية، رغم تحذيرات متكررة من خبراء الهيدرولوجيا. ثانياً، عدم التطابق بين الأحواض المائية والتقسيمات الإدارية، ما يجعل القرارات تُتخذ بمعزل عن الواقع الطبيعي وبناءً على مصالح إقليمية قصيرة المدى. ثالثاً، غياب قاعدة بيانات موحدة وشفافة عن كميات السحب المرخصة وغير المرخصة، وهو ما مهّد لحفر عشوائي للآبار وتراجع حاد في مستوى المياه الجوفية.
ويضيف التحليل أن نقص البنية التحتية الفنية يُعمّق هذه الأزمة، إذ تعاني شبكات نقل وتوزيع المياه في العديد من المحافظات من تقادم أدى إلى تراجع كفاءتها إلى ما دون 70%، ما يهدر سنوياً مليارات الأمتار المكعبة من المياه، فيما يبقى إعادة تدوير المياه العادمة الصناعية والزراعية، ومياه الصرف الرمادي في المدن الكبرى، عند مستويات متدنية جداً مقارنة بالمعايير العالمية.
أزمة المياه في خوزستان حتی للشرب
تتجذر أزمة المياه الشرب في محافظة خوزستان في مجموعة من العوامل المتشابكة، من بينها موجات الجفاف المتتالية وتراجع معدلات الهطول، وبناء السدود ونقل المياه بين الأحواض المائية، والسحب العشوائي من المياه الجوفية، وتهالك شبكات الإمدادات، إضافة إلى تلوث وملوحة نهر كارون. وقد خلّفت هذه الأوضاع تداعيات ثقيلة على الأصعدة الصحية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
فعلى الصعيد الصحي، يعاني سكان مدن مثل آبادان وخرمشهر والأهواز من انقطاعات متكررة للمياه، ومياه عكرة ومالحة، وانتشار أمراض جلدية وهضمية خصوصاً بين الأطفال، ما اضطر كثيراً من الأسر إلى شراء المياه المعبأة لتلبية احتياجاتها اليومية.
أما اقتصادياً، فقد أثقلت تكاليف شراء المياه كاهل الأسر، فيما أدى حظر زراعة الأرز ودمار بساتين النخيل في آبادان وخرمشهر إلى إضعاف معيشة المزارعين والاقتصاد المحلي، ما هيأ أرضية لتزايد الفقر والهجرة من هذه المناطق.
وعلى المستوى البيئي، ساهم تراجع تدفق الأنهار وجفاف الأهوار في تفاقم موجات الغبار وتدهور النظام البيئي للمنطقة. اجتماعياً، أدى تراجع جودة المياه وملوحتها إلى احتجاجات في شوارع آبادان وخرمشهر، إضافة إلى احتجاجات مزارعين في مناطق مثل هنديجان بسبب عدم وصول حصصهم المائية، ما زاد من حدة الاستياء الشعبي.
خوزستان ضمن سياق أزمة المياه الوطنية
لا تنفرد خوزستان بهذه الأزمة، إذ تشهد محافظات أخرى أوضاعاً مماثلة، وإن اختلفت تفاصيلها. ففي محافظة يزد، أدى الجفاف المتواصل والسحب العشوائي من المياه الجوفية إلى جفاف أو تراجع حاد في تدفق العديد من القنوات المائية التاريخية، من بينها قناة “زارچ” الشهيرة، وما ترتب على ذلك من هجرة سكان الريف وتصحّر الأراضي الزراعية.
وفي أصفهان، التي وُصف وضعها المائي بأنه “غير مسبوق”، سُجّل أسوأ جفاف منذ 58 عاماً، فيما بلغ العجز التراكمي في الخزانات الجوفية نحو 130 مليار متر مكعب، وسط تحذيرات من انهيار أرضي يهدد أكثر من 3.3 مليون نسمة، وجفاف تام لأهوار “گاوخوني” التي تحولت إلى بؤرة لعواصف ترابية تمتد لمسافة 500 كيلومتر.
أما العاصمة طهران، فتعاني من “إجهاد مائي مطلق” في ظل جفاف خمسي متواصل، إذ بلغ معدل استهلاك الفرد اليومي 270 ليتراً، أي ضعف المعدل العالمي، بينما تراجعت مخزونات السدود الخمسة المغذية للعاصمة إلى نحو 18% فقط من طاقتها الاستيعابية، وهو أدنى رقم مسجَّل منذ أكثر من 60 عاماً، وسط تحذيرات من احتمال تعذّر إيصال المياه إلى ما بين 30 و50% من سكان طهران في حال استمرار الوضع الحالي.
نحو حلول جذرية لا مؤقتة
يخلص التحليل إلى أن الخروج من أزمة المياه يتطلب وضع برنامج شامل للتكيف مع الجفاف، يشمل إصلاح نظام دعم المياه، والفصل النوعي بين مياه الشرب والمياه الصناعية، وتسريع مشاريع الري الحديث تحت الضغط، والاستثمار الموجَّه في تقنيات تحلية ومعالجة المياه، إلى جانب التحول من إدارة العرض إلى إدارة الطلب، وترسيخ ثقافة الترشيد ضمن هياكل رقابية شفافة ومحاسِبة.
ويشدد التحليل على أن أزمة المياه في إيران ليست كارثة طبيعية بحتة، بل نتاج استمرار نهج إداري متقادم وغياب إرادة جدية لتحديث البنية التحتية، محذراً من أن أي هطول أمطار أو بناء سد جديد سيبقى مجرد مسكّن مؤقت ما دامت إدارة المياه حبيسة قرارات ارتجالية وقطاعية، وما دامت شبكات التوزيع تعمل بذات الكفاءة المتدنية منذ عقود.
المصدر: النخيل / وكالة أنباء تسنيم (تسنيم)










