إن كل فكر مالم يُحمَ ويُصان سيكون عرضة للزيادة فيه ، أو النقصان منه ، وربما سيؤول أمره إلى الزوال أو الاندثار ، خصوصا إذا ماوُجِد في تاريخه من يحمل لواء محاربته وعلى أكثر من صعيد.

ولو تصفحنا تاريخ العقائد عند سائر الأديان والمذاهب لوجدنا ظاهرتي التحريف والزوال أو الاندثار ماثلتين عياناً في مصاديق شتى. وما اُفول شمس مذهب الاعتزال ومذهب الظاهرية ومذهب الطبري إلاّ أمثلة حيّة وواقعية على صدق مانقول.

واذا ما قيس هذا بمذهب التشيع كفكر ذي عمق وأصالة سنرى أنّ كل المقاييس التي أدت إلى زوال جملة من المذاهب الفكرية او الفقهية كانت متوفرة على أشدها بإزاء مذهب التشيع ، الأمر الذي يفسر لنا السر العجيب وراء بقاء التشيع وصموده في ظل محاربته على امتداد تاريخه. كما يكشف لنا بوضوح عن الأدوار العظيمة التي اضطلع بها أهل البيت عليهم‌السلام كل من موقعه وظرفه في الحفاظ على هذا الكيان وحمايته والذود عنه ، وتهذيب نفوس المنتمين إليه وتربيتهم تربية صالحة ليتحملوا بدورهم قسطا من مسؤولية الصراع على البقاء.

وفي هذا الصدد نجد الإمام الرضا عليه‌السلام قد قام بدور جليل لتحقيق هذه الغاية ضمن منهج قويم ، فبدد غيوم الشبهات وأزال الشوائب التي حاول البعض لصقها بالشيعة والتشيع ، كالغلو ، والتناسخ والحلول.

لقد عمل إمامنا على ثلاثة محاور أساسية :

١ ـ ضد الفكر المنحرف الذي يمثله الغلو وكل مايتنافى مع التنزيه.

٢ ـ الوقوف بحزم ضد شبهات الواقفة ، والفرق الأخرى المحسوبة على التشيع.

٣ ـ بيان الوجه الناصع للتشيع كفكر وعقيدة وحياة ، وتربية الشيعة عليها في وصايا وارشادات ورسائل ومكاتبات :

الأول : موقفه من الغلو والغلاة :

باديء ذي بدأ لابد لنا من معرفة المراد بالغلو لكي تتضح خطورته ومن ثم سوف نتعرض لموقف الإمام الرضا عليه‌السلام منه.

الغلو : هو تجاوز الحدّ ، يقال : غلا في الدِّين والأمر يغلو غلوا ، وقال بعضهم : هو تجاوز الحدّ والإفراط فيه[١].

يقول الشهرستاني : ان الغلاة هم الذين غلو في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخلقية ، وحكموا فيهم بأحكام الإلوهية ، وربما شبهوا واحدا من الأئمة بالإله ، ولربما شبهوا الإله بالخَلق[۲].

لقد عمل الغلاة على اتخاذ مواقف مناقضة لمباديء الإسلام الصافية مما دفع أئمة الشيعة ورجالاتها إلى البراءة منهم ومحاربتهم.

ومن خلال النظرة الفاحصة للروايات الواردة عن الإمام الرضا عليه‌السلام حول الغلاة ، يمكننا تحديد موقفه منهم من خلال النقاط التالية :
أولاً : إن الغلو كان نتيجة الوضع في الأخبار لقد نوّهنا بأن الإمام عليه‌السلام في معرض رده للشبهات المثارة على أهل البيت عليهم‌السلام قال لإبراهيم ابن أبي محمود : « إن أعدائنا وضعوا أخبارا على ثلاثة أقسام : أحدها الغلو .. فإذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا »[۳].
ثانياً : إن الأئمة عليهم‌السلام عباد مخلوقون وليسوا بآلهة لقد سدَّ إمامنا المنافذ أمام الغلاة الذين شبهوا الأئمة بالإله من خلال شبهة المعجزات ، فأعلن أن الأئمة ليسوا بأكثر من عباد مخلصين اصطفاهم اللّه تعالى لدينه ، وليسوا بآلهة ، وأن المعجزات التي ظهرت على أيديهم هي كرامات أكرمهم اللّه تعالى بها. يتضح لنا كل ذلك من الرواية التالية : عن أبي محمد العسكري أنّ أبا الحسن الرضا عليهم‌السلام قال : « إنَّ من تجاوز بأمير المؤمنين العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضّالين. وقال أميرالمؤمنين عليه‌السلام : لاتتجاوزوا بنا العبودية ، ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا ، وإيّاكم والغلو كغلو النّصارى ، فإنّي بريء من الغالين ».

وسئل عليه‌السلام ـ في الرواية نفسها ـ عن قول الغلاة (لعنهم اللّه ) في أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فقال عليه‌السلام : « سبحان اللّه عمّا يقول الظالمون والكافرون علوّا كبيرا!! أوليس علي كان آكلاً في الآكلين ، وشاربا في الشاربين ، وناكحا في الناكحين ، ومحدثا في المحدثين؟ وكان مع ذلك مصلّيا خاضعا بين يدي اللّه ذليلاً ، وإليه أوّاها منيبا ، أفمن هذه صفته يكون إلها؟! فإن كان هذا إلها فليس منكم أحد إلاّ وهو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدوث الموصوف بها ».

ثم قال عليه‌السلام عن شبهة المعجزات التي تشبث بها الغلاة (لعنهم اللّه ) : « لمّا ظهر منه (الفقر والفاقة) دلّ على أنّ من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون لاتكون المعجزات فعله ، فعلم بهذا أنَّ الذي أظهره من المعجزات إنّما كانت فعل القادر الذي لايشبه المخلوقين ، لافعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف »[۴].

وسأله المأمون ذات يوم عن الغلاة فقال عليه‌السلام : « حدثني أبي موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم‌السلام ، قال : قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لاترفعوني فوق حقي ، فان اللّه تبارك وتعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا ، قال اللّه تبارك وتعالى : ( ماكان لبشرٍ أَن يُؤتيهُ اللّه الكِتبَ والحُكمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يقُولَ للنّاسِ كُونُوا عبادا لّي من دُونِ اللّه .. )[۵].

وقال علي عليه‌السلام : يهلك فيَّ اثنان ولا ذنب لي؛ محب مفرط ، ومبغض مفرط ، وأنا أبرأ إلى اللّه تعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حقنا كبراءة عيسى بن مريم عليه‌السلام من النصارى ، قال اللّه تعالى : ( وإذ قال َ اللّه يعيسى ابنَ مريمَ ءَأنتَ قُلتَ للنَّاسِ اتَّخذُوني وأمّيَ إلهَينِ من دُونِ اللّه قالَ سُبحنَكَ مايكُونُ ليآ أَن أَقولَ ما ليسَ لي بحَقٍّ .. )[۶]وقال عزوجل : ( لَّن يستنكفَ المسيحُ أن يكُونَ عبدا للّه .. )[۷]وقال عزوجل : ( مّا المسيحُ ابنُ مريمَ إِلاّ رسولٌ قد خلت من قبلهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صديقة كانا يأكلانِ الطَّعام .. )[۸]ومعناه أنّهما كانا يتغوّطان ، فمن ادعى للأنبياء ربوبية وادعى للأئمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة »[۹].

ثالثاً : تكفير الغلاة والزجر عن مخالطتهم

وخير ما يعبر عن هذا رواية أبي هاشم الجعفري رضي‌الله‌عنه عن الإمام الرضا عليه‌السلام وقد سأله عن الغلاة ، فقال بعد أن كفرهم صراحةً :

« .. من جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوّجهم أو تزوج منهم أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية اللّه عزوجل وولاية رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولايتنا أهل البيت »[١۰].

رابعاً : تشبيهه عليه‌السلام الغلاة باليهود ونظرائهم

عن علي بن معبد بن الحسين بن خالد الصيرفي ، قال : قال أبو الحسن الرضا عليه‌السلام : « من قال بالتناسخ فهو كافر » ثم قال عليه‌السلام : « لعن اللّه الغلاة ، ألا كانوا يهودا! ألا كانوا مجوسا! ألا كانوا نصارى! ألا كانوا قدرية! ألا كانوا مرجئة! ألا كانوا حرورية! » ثم قال عليه‌السلام : « لا تقاعدوهم ولا تصادقوهم ، وابرؤوا منهم ، بريء اللّه منهم »[۱۱].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[١] اُنظر : لسان العرب / ابن منظور ١٠ : ١١٢ ، مادة (غلا).
[۲] الملل والنحل ١ : ١٥٤.
[۳] انظر : عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ : ٢٧٢ ، ح ٦٣ ، باب (٢٨).
[۴] الاحتجاج ٢ : ٤٥٣ ـ ٤٥٤ ، باب (٣١٤).
[۵] سورة آل عمران : ٣ / ٧٩.
[۶] سورة المائدة : ٥ / ١١٦.
[۷] سورة النساء : ٤ / ١٧٢.
[۸] سورة المائدة : ٥ / ٧٥.
[۹] عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢١٧ ، ح ١ ، باب (٤٦).
[١۰] عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢١٩ ، ح ٤ ، باب (٤٦).
[۱۱] عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢١٨ ، ح ٢ ، باب (٤٦).


شاركوا هذا الخبر