من الأحاديث النبويّة الشريفة التي عُرِفت لها أسماء، واشتهرت بتواتر: حديث الطير، أو حديث الطائر المشويّ، إذ أُهديَ لرسول الله صلّى الله عليه وآله طيرٌ أو طائر، فلم يتناوله، بل توجّه إلى الله تبارك وتعالى بهذا الدعاء المبارك: «اَللّهمَّ ائْتِني بأحبِّ الخَلْق إليّ يأكل معي»، هكذا روى أنس بن مالك خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله، مضيفاً:

فجاء عليٌّ فرَدَدْتُه، ثمّ جاء ثانيةً فرَدَدتُه، ثمّ جاء الثالثة.. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «يا أنس، إنّي قد دعوتُ ربّي وقدِ استُجيب لي، فانظرْ مَن كان بالباب فأدخِلْه». قال أنس: فخرجتُ فإذا بعليّ، فأدخلتُه، فسأله النبيّ: ما حَبَسَك؟ قال: يا نبيَّ الله، جئتُ أربع مرّات، كلّ ذلك يَرُدّني أنس، فسأل النبيُّ أنسَ بن مالك: ما حمَلَك على ذلك؟! أجاب: أحببتُ أن يُصيبَ دعاؤك رجلاً من قومي! (روى ذلك: ابن عساكر الدمشقي الشافعي في: تاريخ مدينة دمشق ـ ترجمة الإمام عليّ 120:2، والگنجي الشافعي في: كفاية الطالب:140، والقندوزي الحنفي في: ينابيع المودّة لذوي القربى:203 ـ ط إسلامبول، وسبط ابن الجوزي الحنفي في: تذكرة خواصّ الأمّة:44، والخوارزمي الحنفي في: المناقب، والبلاذري في: أنساب الأشراف 143:2، والحاكم النيسابوري الشافعي في: المستدرك على الصحيحين 131:3 ـ 132، والوصّابي في: أسنى المطالب:30، وعشرات آخرون).

ولو تأمّلنا في عبارة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وهو أحبّ الخَلق إلى الله، وأشرف الخَلق عند الله، وقد دعا أن يأتيه الله بأحبّ الخلق إلى روحه المقدّسة، لَعرَفنا أيَّ خصيصةٍ كانت تلك لأمير المؤمنين عليّ عليه السلام، حيث بها – وكذلك بغيرها – لا يلحقُه لاحق، ولا يفوقُه فائق، ولا يسبقه سابق، فهو الأقرب قلباً وروحاً إلى رسول الله ودونه سواه من الصحابة.

• يتحيّر بعض المحقّقين المبتدئين كيف أنّ الحديث النبويّ الشريف ذا المضمون الواحد تتعدّد رواتُه وطُرقه ونصوصه ومناسباته؟! وتذهب الحيرة تماماً إذا عَلِمنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كرّر بعض المضامين في أحاديثه الشريفة مرّاتٍ عديدة، في أماكن وأزمانٍ متعدّدة، مع صحابةٍ كثيرين ومجالس ومناسبات متفاوتة، من ذلك أحاديث الإسراء والمعراج وقد تعدّد عدّة مرّات – كما يُروى -، وكذا حديث المنزلة حيث ورد بنصوص متقاربة من أشهرها قوله صلّى الله عليه وآله للإمام عليّ عليه السلام: «أنت منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»، أو في رواية عمر بن الخطاب: سمعتُ رسول الله يقول: «عليٌّ منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي» (ترجمة الإمام عليّ عليه السلام من: تاريخ مدينة دمشق 330:1)، وفي رواية أخرى قال عمر: لن تنالوا عليّاً، فإنّي سمعتُ رسول الله يقول فيه ثلاث خصال… فضرب بيده على مَنكِب عليٍّ وقال: «أنت أوّلُ الناس إسلاماً، وأوّل الناس إيماناً، وأنت منّي بمنزلةِ هارونَ مِن موسى» (أسنى المطالب للوصّابي:29)، أو في رواية معاوية: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي» (تاريخ دمشق 339:1، مناقب علي لابن المغازلي الشافعي:34 / ح 52)، أو في رواية زيد بن أرقم والبراء بن عازب حين خلّف النبيُّ عليّاً على المدينة عند غزوة تبوك وقال له: «إنّه لا بدّ مِن أن أُقيم، أو تُقيم»، فلمّا قال المنافقون: ما خَلّفَه إلاّ لشيءٍ كَرِهه! قال صلّى الله عليه وآله: «يا عليّ، أما تَرضى أن تكون منّي بمنزلة هارونَ مِن موسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي؟!» (رواه الهيثمي الشافعي في: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 111:9، وابن طلحة والشافعي في: مطالب السَّؤول، والحضرمي في: وسيلة المآل في عَدّ مناقب الآل:217، ومسلم في: صحيحه 1870:4 وابن ماجة في: سننه 42:1، والبخاري في: صحيحه ج 3 – من كتاب المغازي – غزوة تبوك، والذهبي في معظم مؤلفاته ومنها: تاريخ الإسلام 627:، وعشرات غيرهم).

والحديث بكلّ نصوصه يشير بوضوح – خاصّة لأهل البصائر والفقاهة في الروايات – إلى الوصاية، فقد كان هارون عليه السلام نبيّاً ووصيّاً، وقد نفى رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يكون بعده نبيّ، فبقي وجه الشَّبَه في تشبيه الإمام عليٍّ عليه السلام بهارون هو الوصاية، حيث هي أمرٌ مشترك، فكما كان هارون وصيَّ موسى عليهما السلام، كذلك عليٌّ يكون وصيَّ رسول الله عليهما أفضل الصلاة والسلام.

وتلك خصيصة أخرى لأمير المؤمنين عليه السلام دونَه سواه من الصحابة.

• حاول بعض المفسّرين للأحاديث النبويّة ـ لا الآيات القرآنيّة ـ أن يحرّف مقاصدَها ليُرضي تعصّباته الجاهليّة، وأحقاده المتجذّرة في نفسه التي لم تُؤمن بما نزل من آي كتاب الله، ولا بما فاه به رسول الله!

فيُقال في حديث غدير خم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بقوله المبارك: «مَن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه..» إنّما أراد مدحَ عليٍّ لا غير، أو أراد التعريف به أنّه ناصرٌ محبّ لا غير! هكذا يحطّون من معاني النصوص الشريفة، ويهبطون في عقول الناس وأنفسهم من الكرامة النبويّة، إذ كيف يُتصوَّر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله يستوقف ركب الحجيج وقد بلغ أكثرَ من مئة ألف حاج في صحراء قاحلة، وساعةِ ظهيرةٍ مُصهِرة، ليخطب فيهم ساعةً مِن أجل أن يقول لهم: إنّ عليَّ بن أبي طالب محبٌّ أو ناصر أو مُوالٍ للإسلام، فأحِبُّوه!

هكذا جرّ اللؤم جماعةً فَسَفِهَت عقولهم واستخفّوا بعقول الناس فلَقّنُوهم ما لا يُعقَل، وقديماً قيل: حَدِّثِ العاقلَ بما لا يليق، فإن صدَّقَ فلا عقلَ له! ثمّ لِمَ هذا الدعاء المتشدّد: «اللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصُرْ مَن نَصَره، واخذُلْ مَن خذَلَه»؟! ماذا حدث وماذا سيحدث؟ وماذا وراء هذه العبارات؟! أليس هنالك أمرٌ خطيرٌ مهمٌّ وحسّاس؟! ولماذا هذا الخطاب المفصَّل لرسول الله صلّى الله عليه وآله في حجّة الوَداع وقبيل افتراق الحجيج عند مفترق الطُّرق ليعودوا إلى أوطانهم؟!

إنّ هذه تساؤلات لا يمكن إقناعها إلاّ إذا ثبّتنا هذه الحقيقة في أذهاننا وقلوبنا، وهي أنّ خطاباً نبويّاً هكذا جرى في غدير خُمّ أعقبه بيعة بإمرة المؤمنين، كانا مِن أجل تثبيت خلافة الإمام عليّ في وصيّة نبويّة بعد دعوةٍ إلهيّة:

{يا أيُّها الرسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إليكَ مِن ربِّك وإن لم تَفعَلْ فما بَلَّغْت رسالتَه، واللهُ يَعصِمُك مِنَ الناس، إنّ اللهَ لا يَهدِي القومَ الكافرين}. [سورة المائدة:67]

إنّها الولاية التي عيّنها الله، وبلّغها للناس رسولُ الله، واختصّت عليّاً وليَّ الله، فكانت خصيصةً له، دونَه سواه من الصحابة!

• ثمّ أيّة خصيصةٍ تلك كانت لأمير المؤمنين عليٍّ سلام الله عليه أن يُذعن جميع المسلمين لمبايعته، بماذا؟ بخلافته لرسول الله صلّى الله عليه وآله وإمرته المؤمنين، فهو أميرهم. وأيّة كرامةٍ إلهية كانت تلك للإمام عليّ عليه السلام أن يأمر اللهُ رسوله بتبليغ الناس إمامتَه، وإن لم يفعل ـ وحاشاه أنّه لا يفعل ـ فما بلّغ رسالةَ الله أبداً جميعاً! ثمّ جاء الضمان الإلهيّ: {واللهُ يُعَصِمُك من الناس}، وجاء بعده النبأُ الإلهيّ: {إنّ اللهُ لا يهدي الكافرين} الذي استنكروا وتنكّروا للأمر الإلهيّ!

والعجيب أنّ إمامة عليّ بن أبي طالب هي التي حقّقت للمسلمين أفضل الهدايا الربّانيّة، حيث أنزل الله جَلّ وعلا آيته المبشِّرة: {اليومَ أكمَلْتُ لكُم دِينَكم وأتممتُ عليكُم نعمتي ورَضِيتُ لكُمُ الإسلام دِيناً} [سورة المائدة:3]، حينها صاح النبيّ: «اللهَ أكبرُ على إكمالِ الدين وإتمامِ النعمة، ورضى الربِّ برسالتي وولايةِ عليّ بن أبي طالبِ بعدي»، ثمّ قال: «مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه…» (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل للعالم الحنفي الحاكم الحسكاني 107:1. ويراجع: فرائد السمطين للجويني الشافعي 74:1، وتاريخ مدينة دمشق 75:2، وتوضيح الدلائل للإيجي الشافعي:308، وغيرها).

وتلك خصيصة أخرى لا تكون إلاّ لعليّ، ودونَه مَن سواه مِن الصحابة.


شاركوا هذا الخبر