بیان الشبهة

قال عبد الرزّاق الديراوي في الاستدلال علىٰ أنَّ اليماني صاحب دعوة جديدة:
(الدليل علىٰ أنَّ ثمَّة دعوة يباشرها اليماني هو ما نصَّت عليه الرواية الواردة عن الإمام الباقر، وفيها قوله: (لأنَّه يَدْعو إلىٰ صاحبكم) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٤). وعن أبي عبد الله: (يا سدير، الزم بيتك…)، إلىٰ قوله: (فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو حبواً علىٰ رجلك) إلزام الناصب (ج ٢/ ص ١٠٩ و١١٠).
والراية التي ترافق خروج السفياني هي راية اليماني، والأمر بالرحيل إليها يقتضي وجودها بفترة معتد بها قبل التحرّك المسلَّح (أي قبل الخروج) ليتعرَّف عليها الناس، ويرحلوا إليها.

رد الشبهة

والجواب: أنَّ الإخبار بأنَّ اليماني يَدْعو إلىٰ صاحب الأمر عليه السلام لا يدلُّ علىٰ أنَّ اليماني صاحب دعوة جديدة مختلفة عمَّا عليه الشيعة الإمامية، وحاله حال علماء الطائفة قديماً وحديثاً الذين يَدْعون إلىٰ صاحب الأمر عليه السلام، ويُثبتون إمامته منذ عصر الغيبة الصغرىٰ إلىٰ يومنا هذا، من دون أن يستلزم ذلك أن يكون كلّ واحد منهم له دعوة جديدة خاصّة به، إلَّا أنَّ اليماني لمَّا كانت دعوته إلىٰ صاحب الأمر عليه السلام صادقة وخالصة من شوائب الدنيا بخلاف غيره أصحاب الرايات الأُخرىٰ التي ستكثر في عصر الظهور كانت رايته أهدىٰ من تلك الرايات جميعاً.
وقوله عليه السلام: (فارحل إلينا ولو حبواً علىٰ رجلك) يدلُّ علىٰ وجوب الرحيل إلىٰ مكّة المكرَّمة لنصرة الإمام المهدي المنتظر عليه السلام؛ لأنَّه ليس بين خروج السفياني وخروج الإمام المهدي عليه السلام إلَّا ستَّة أشهر ربَّما تزيد أيّاماً وأسابيع أو تنقص، ولا إشارة في الحديث إلىٰ الأمر بالرحيل إلىٰ اليماني؛ لأنَّ اليماني لم يرد له في الحديث أيّ ذِكْر.
ويدلُّ علىٰ ما قلناه ما نقلناه قبل قليل عن عيص بن القاسم، فإنَّه واضح الدلالة علىٰ أنَّ الذي يجب الرحيل إليه هو الإمام المهدي عليه السلام، وزعم أحمد إسماعيل ﮔﺎطع وأتباعه أنَّ المأمور بالرحيل إليه هو اﻟﮕﺎطع نفسه؛ لأنَّه هو الذي يجتمع معه بنو فاطمة في الأحلام التي رآها أتباعه، فمضافاً إلىٰ أنَّ الرؤىٰ الكاذبة لا قيمة لها في دين الله، ولا تُميِّز إمام الحقّ عن إمام الباطل، مع عدم صدق اجتماع بني فاطمة علىٰ اﻟﮕﺎطع بالرؤىٰ، فإنَّ عدم وجوب الرحيل إلىٰ اليماني في رجب، الذي هو وقت خروجه، وجواز تأخيره إلىٰ ما بعد شهر رمضان كما دلَّت عليه الرواية، مع أنَّ اليماني سيكون في وقت خروجه بالسيف أحوج ما يكون إلىٰ النصرة، قرينة علىٰ أنَّ الذي يجب الرحيل إليه في رجب أو شعبان أو إلىٰ ما بعد شهر رمضان هو الإمام المهدي المنتظر عليه السلام دون غيره.
وحصر الديراوي الراية التي ترافق خروج السفياني براية اليماني غير صحيح؛ لأنَّ راية الخراساني أيضاً ترافق خروج هاتين الرايتين، وإذا كان هناك أمر بالرحيل إلىٰ راية هدىٰ فهو غير منحصر في راية اليماني؛ لأنَّ كلّاً من راية الخراساني واليماني راية هدىٰ، ولاسيّما أنَّ بعض الأحاديث دلَّت علىٰ أنَّ نفراً من أصحاب القائم عليه السلام سيلتحقون براية الخراساني.
فقد روىٰ النعماني بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام أنَّه قال في حديث طويل: (ويبعث السفياني جيشاً إلىٰ الكوفة وعدَّتهم سبعون ألفاً، فيُصيبون من أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان، وتطوي المنازل طيًّا حثيثاً ومعهم نفر من أصحاب القائم)(الغيبة: ٢٨٩.).
وقوله: إنَّ (الأمر بالرحيل إليها يقتضي وجودها بفترة معتدّ بها قبل التحرّك المسلَّح (أي قبل الخروج) ليتعرَّف عليها الناس، ويرحلوا إليها) لا يخفىٰ ما فيه، فإنّي لم أجد رواية واحدة صحيحة السند تدلُّ علىٰ وجوب الرحيل لنصرة راية اليماني، وأمَّا الروايات الدالّة علىٰ نصرة الإمام المهدي عليه السلام فهي متواترة عند الشيعة وغيرهم، وهذا مؤيِّد لكون الأمر الوارد بالرحيل إليهم عليهم السلام يُراد به الرحيل لنصرة الإمام المهدي عليه السلام دون من سواه.
ثمّ إنّا لو سلَّمنا أنَّ هناك أمر بالرحيل إلىٰ اليماني فإنَّ ذلك لا يستلزم كونه صاحب دعوة سابقة علىٰ خروجه، ولو سلَّمنا كونه صاحب دعوة فإنَّ الأمر بالرحيل إليه لا يستلزم وجود دعوته قبل خروجه بمدَّة، فإنَّ التعرّف علىٰ أيِّ دعوةٍ يمكن أن يتحقَّق بعد الإعلان عنها مباشرةً، وهذا أمر واضح.
ونحن لا ننكر أنَّ اليماني يَدْعو لنصرة صاحب الأمر عليه السلام وأنَّه صادق في دعوته، إلَّا أنَّ المراد بدعوته له عليه السلام هو الدعوة لنصرته، لا الدعوة إلىٰ مذهب جديد له أربعة وعشرون إماماً، ولا الدعوة إلىٰ إمامة اﻟﮕﺎطع بخصوصه، فإنَّ هذه الدعوة ليست دعوة إلىٰ صاحب الأمر عليه السلام كما لا يخفىٰ.


شاركوا هذا الخبر