عندما يلتزمون بوجوب التفسير بالظاهر وحرمة التأويل، ويفسرون قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، بأن الله وجود منظور مرئي تنظر إليه العيون وتراه، فمن حقنا أن نسألهم:

ماذا تصنعون بمثل قوله تعالى: لا تدركه الأبصار، وقوله تعالى: لن تراني، وقوله تعالى: ليس كمثله شئ؟

ولكنهم يجيبونك بأن المسألة سهلة، لأنا نتحول هنا إلى متأولين ولكن بطرق ملتوية لا يكون فيها ممسك علينا بأنا صرنا متأولة، فنؤول كل ما يخالف مذهبنا بغير ظاهره، ونحرم تفسيره بالظاهر! فنقول إن الأبصار لا تدركه، يعني لا تحيط به، أو لا تدركه لصغر حجمنا وكبر حجمه، فلا نرى إلا جزءاً منه أو نقول: إن المنفي بقوله تعالى ليس كمثله شئ، هو المثل وليس الشبيه، ونحن ننفي المثل والند والكفؤ ولا يجب علينا نفي الشبيه لله تعالى لا بنقل ولا بعقل، على حد تعبير إمامهم ابن تيمية!

وإذا قلت لهم: إذا فسرتم قوله تعالى: استوى على العرش، بأن الله تعالى موجود جالس على العرش، فماذا تصنعون بقوله تعالى: وهو معكم أينما كنتم؟ فإن هذه الآية تنقض مقولتكم بأنه تعالى موجود في مكان محدد من الكون، وتدل على أن وجوده من نوع آخر غير نوع الكون!

بل كما قال علي (عليه السلام): مع كل شئ لا بملامسة، وغير كل شئ لا بمباينة.

فيقولون لك: المسألة سهلة، نهرب من الإعتراف بالمعية ومن تأويلها معاً، ونتهم الذين يحتجون بها بأنهم ينكرون علو الله تعالى على عرشه ويريدون إثبات سفوله..

وهذا ما فعله مفتيهم الشيخ ابن باز فقال في فتاويه: 2/89:

(والذي عليه أهل السنة في ذلك أن الله سبحانه موصوف بالمعية على الوجه الذي يليق بجلاله، مع إثبات استوائه على عرشه وعلوه فوق جميع خلقه وتنزيهه عن مخالطته للخلق، ولما كانت الجهمية والمعتزلة يحتجون بآيات المعية على إنكار العلو ويزعمون أنه سبحانه بكل مكان، أنكر عليهم السلف ذلك وقالوا: إن هذه المعية تقتضي علمه بأحوال عباده وإطلاعه عليهم، مع كونه فوق العرش).

وقد تَعَلَّمَ ابن باز المناورة من الذهبي وابن تيمية فأول صفة المعية بالعلم، وحمل مسؤوليتها للسلف حتى لا يسجل أحد عليه أنه صار متأولاً، ثم برر تأويل السلف بأنهم اضطروا إلى ارتكاب التأويل الحرام، ليردوا على الذين أنكروا علو الله تعالى وأرادوا إثبات سفوله!!

بل لقد توفق المفتي هنا فوجد هنديا فحمله مسؤولية تأويل الآية التي تنافي مذهبهم! وهذا الشخص اسمه (الطلمنكي) فتمسك به ابن باز واحترمه وأكرمه ولبسه تأويل الآية في عنقه،

قال في فتاويه: 1/ 148:

(.. وإذا تبين هذا فإنه لا يؤخذ من قوله (وهو معكم) وما جاء في معناها في الآيات، أنه مختلط وممتزج بالمخلوقات، لا ظاهر ولا حقيقة، ولا تدل لفظ (مع) على هذا بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه المصاحبة والموافقة، والمقارنة في أمر من الأمور وهذا الإقتران في كل موضع بحسبه، قال أبو عمر الطلمنكي (رحمه الله): أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى (وهو معكم أين ما كنتم) ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كما نطق به كتابه). انتهى.

وهكذا حل ابن باز مشكلة الآية فلم تمس يده التأويل، بل وجد شخصاً يؤول له وارتضى تأويله والحمد لله، وهو الطلمنكي! ثم أيد فتواه بالإجماع
الذي نقله الطلمنكي على أن جميع المسلمين من أهل السنة يعتقدون بأن الله تعالى وجود محسوس قاعد فوق عرشه! أي كما يقول اليهود بلا أدنى فرق!

وإذا تكلم الطلمنكي الذي قدمه الشيخ ابن باز إلى العالم الإسلامي فعلى الجميع أن يقبلوا ويسكتوا ويغمضوا عيونهم عن آراء جميع العلماء وألوف المصادر!!


شاركوا هذا الخبر