المطالب العالية مجلد 2 جزء 2 ص 25:

(الفصل الثالث في إقامة الدلائل على أنه تعالى يمتنع أن يكون جسماً.

لأهل العلم في هذا الباب قولان: فالجمهور الأعظم منهم اتفقوا على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الجسمية والحصول في الحيز. وقال الباقون: إنه متحيز وحاصل في الحيز وهؤلاء هم المجسمة.

ثم القائلون بأنه جسم اختلفوا في أشياء فالأول: أنهم في الصورة على قولين، منهم من قال إنه على صورة الإنسان ومنهم من لا يقول به.

أما الأول فالمنقول عن مشبهة المسلمين أنه تعالى على صورة إنسان شاب. والمنقول عن مشبهة اليهود أنه على صورة إنسان شيخ. وأما الذين يقولون إنه ليس على صورة الإنسان فهم يقولون: إنه على صورة نور عظيم.
وذكر أبو معشر المنجم أن سبب إقدام الناس على عبادة الأوثان أن الناس في الدهر الأقدم كانوا على مذهب المجسمة وكانوا يعتقدون أن إله العالم نور عظيم وأن الملائكة أنوار إلا أنهم أصغر جثة من النور الأول، ولما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثناً وهو أكبر الأوثان على صورة الإله، وأوثاناً أخرى أصغر من ذلك الوثن على صور مختلفة وهي صور الملائكة، واشتغلوا بعبادتها على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة، فثبت أن دين عبدة الأصنام كالفرع على قول المشبهة.

والموضع الثاني: من مواضع الإختلافات أن المجسمة اختلفوا في أنه هل يصح عليه الذهاب والمجيء والحركة والسكون، فأباه بعض الكرامية وأثبته قوم منهم، وجمهور الحنابلة يثبتونه.

والموضع الثالث: القائلون بأنه نور ينكرون الأعضاء والجوارح مثل الرأس واليد والرجل. وأكثر الحنابلة يثبتون هذه الأعضاء والجوارح.

الموضع الرابع: اتفق القائلون بالجسمية والحيز على أنه في جهة فوق، ثم إن هذا المذهب يحتمل وجوهاً ثلاثة (لأنه تعالى) إما أن يكون ملاقياً للعرش أو مبايناً للعرش ببعد متناه أو مبايناً عنه ببعد غير متناه، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الأقسام ذاهب.

الموضع الخامس: أن القائلين بالجسمية والحيز اتفقوا على أنه متناه من جهة التحت فأما في سائر الجهات الخمس فقد اختلفوا، فمنهم من قال إنه متناه من كل الجهات، ومنهم من قال إنه متناه من جهة التحت وغيرمتناه من سائر الجهات، ومنهم من قال أنه (غير) متناه من جهة الفوق (وغير) متناه من سائر الجهات.
الموضع السادس: أنه تعالى حاصل في ذلك الحيز المعين لذاته أو لأجل معنى قائم به يقتضي حصوله في الجهة المعينة، وهو مثل اختلافهم في أنه تعالى عالم لذاته أو عالم بالعلم، وهذا هو التنبيه على مواضع الخلاف والوفاق.

الموضع السابع: أن العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام حالة في جميع أجزاء ذلك الجسم بالسوية، أو يكون لكل واحد من هذه الصفات جزء معين من ذلك الجسم يكون ذلك الحيز محلاًّ لتلك الصفة بعينها، ذهب إلى كل واحد من هذين القولين ذاهب. والذي يدل على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحجمية وجوه:

الحجة الأولى: لا شئ من واجب الوجود لذاته بممكن الوجود لذاته، وكل متحيز فإنه ممكن الوجود لذاته، ينتج فلا شئ من واجب الوجود لذاته بمتحيز (أما الصغرى فبديهية، وأما الكبرى فلأن كل متحيز مركب وكل مركب ممكن لذاته، ينتج أن كل متحيز ممكن لذاته).

وإنما قلنا إن كل متحيز مركب لوجوه الأول: أن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره، وكل ما كان كذلك فهو مركب، ينتج أن كل متحيز مركب. وتمام القول فيه مقرر بالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد.

والثاني: قالت الفلاسفة: كل جسم فهو مركب من الهيولى والصورة.

الثالث: (كل متحيز) فإنه يشارك سائر المتحيزات في كونه متحيزاً ويخالفها بتعينه، وما به المشاركة غير ما به المخالفة، فوجب أن يكون كل فرد من أفراد المتحيزات مركباً من عموم التحيز الذي به المشاركة ومن ذلك التعين الذي به المخالفة، فيثبت بهذه الوجوه الثلاثة: أن كل متحيز مركب. أما بيان أن كل مركب فهو ممكن، فلأن كل مركب فإنه مفتقر إلى حيزه
وحيزه غيره، فكل مركب فإنه مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، ينتج أن كل مركب ممكن لذاته…

الحجة الثانية: لو كان متحيزاً لكان مثلاً لسائر المتحيزات (في تمام الماهية) وهذا محال فذاك محال. بيان الأول: أنه لو كان متحيزاً لكان مساوياً لسائر المتحيزات في كونه متحيزاً، ثم بعد هذا لا يخلو أما أن يقال إنه يخالف سائر الأجسام في شئ من مقومات ماهيته، وإما أن لا يكون كذلك، والأول باطل فيبقى الثاني. وإنما قلنا إن الأول باطل لأنه إذا كان مساوياً لسائر المتحيزات في كونه متحيزاً ومخالفاً لها في شئ من مقومات تلك الماهية، وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكان عموم كونه متحيزاً مغايراً لتلك الخصوصية التي وقعت بها المخالفة.

إذا ثبت هذا فنقول: هذان الأمران إما أن يكون كل واحد منهما صفة للآخر، وإما أن لا يكون كل واحد منهما صفة للآخر، وإما أن يكون ما به المخالفة موصوفاً وما به المشاركة يكون صفة، والأقسام الثلاثة الأولى باطلة، فبقي الرابع. وذلك يفيد القول بأن الأجسام متماثلة في تمام الماهية.

وإنما قلنا إن القسم الأول باطل، لأن ذلك يقتضي أن يكون كل واحد منهما ذاتاً مستقلة بنفسها، ومع ذلك فيكون صفة مفتقرة إلى غيرها وذلك باطل.

وإنما قلنا إن القسم الثاني باطل، لأنه على هذا التقدير يكون كل واحد منهما ذاتاً مستقلة بنفسها ولا يكون (لواحد منها) تعلق بالآخر. وكلامنا ليس في الذات الواحدة.
وإنما قلنا إن القسم الثالث باطل، لأنا إذا فرضنا أن ما به المخالفة هو الذات وما به المشاركة وهو التحيز هو الصفة، فنقول: إن الذي به المخالفة إما أن يكون مختصاً بالحيز والجهة وإما أن لا يكون، فإن كان الأول فهو جسم متحيز فيلزم أن يكون جزء ماهية الجسم جسماً وهو محال. وإن كان الثاني امتنع حصول المتحيز فيه، لأن ذلك الشيء لا حصول له في شئ من الأحياز، والمتحيز واجب الحصول في الحيز، وحصول ما يكون واجب الحصول في الحيز، في شئ يكون ممتنع الحصول في الحيز، ذلك من محالات العقول، فيثبت بما ذكرنا فساد الأقسام الثلاثة، فلم يبق إلا الرابع وهو أن يكون ما به المشاركة وهو المتحيز ذاتاً وما به المخالفة صفة، فإذا كان المفهوم من المتحيز مفهوماً واحداً فحينئذ تكون المتحيزات متماثلة في تمام الماهية والذات، فيثبت بما ذكرنا أنه لو كان متحيزاً لكان مثلاً لسائر المتحيزات في تمام الماهية والذات. وإنما قلنا إن ذلك محال لوجوه: الأول: أن المتماثلات في تمام الماهية يجب استواؤها في اللوازم والتوابع، فإما أن تكون جميع الأجسام غنية عن الفاعل، وإما أن تكون جميعها محتاجة إلى الفاعل (والأول باطل لأنا دللنا على أن العالم محدث محتاج إلى الفاعل) فيتعين الثاني.

فيثبت أن كل متحيز فهو محتاج إلى الفاعل، فخالق الكل يمتنع أن يكون متحيزاً.


شاركوا هذا الخبر