إنّ المانعين لطلب الشفاعة من الشفعاء يقولون: يجب أن نقول: «اللّهم اجعلنا ممّن تناله شفاعة محمد» ولا يجوز أبداً أن نقول: «يا محمد اشفع لنا عند اللّه».

ثمّ يقولون: صحيح انّ اللّه تعالى قد منح محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) مقام الشفاعة، ولكنّنا منعنا من طلبها منه مباشرة، وأمرنا بأن نطلبها من اللّه تعالى بأن يشفّع نبيّه فينا.

جواب الشبهة

إنّ الذكر الحكيم يشهد بأنّ هناك طائفة من المؤمنين الموحّدين من الذين ساروا خطوات واسعة على الطريق القويم والعبودية وشهدوا بالحق، يمتلكون مقام الشفاعة يوم القيامة ويشفعون للمذنبين بإذنه سبحانه وتعالى، ومن تلك الآيات قوله تعالى:

(وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).[1]

ومن الواضح انّ أداة الاستثناء«إلاّ» الواردة في الآية تشهد بأنّ الشهداء بالحقّ يمتلكون الشفاعة.

علماً أنّ المراد من مالكية الشفاعة هنا هو المالكية المأذون بها من قبله سبحانه وتعالى، وحينئذ يطرح السؤال التالي: إذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد منح بعض عباده الصالحين هذا المقام ـ مقام الشفاعة ـ فما المانع في أن يطلب المذنبون من هؤلاء الشفاعة بصورة مباشرة؟

وبالطبع أنّ طلب الشفاعة لا يلازم قبول الدعاء واستجابته، بل أقصى ما في الأمر أنّ المأذون بالشفاعة يشفع تحت شروط خاصة، وممّا يثير الانتباه دعوى مؤسس الوهابيّة حيث قال: ونثبت الشفاعة لنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة ولسائر الأنبياء و… ونسألها من المالك لها والآذن فيها… فلا يقال: يا رسول اللّه، أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها، لأنّنا نهينا عن ذلك.[۲]

ويرد على كلامه هذا:

أوّلاً: في أيّة آية ورد النهي الذي يدّعيه صاحب المقالة المذكورة؟ هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إذا كان مراده أنّنا نهينا عن طلبها منهم لأنّها شرك في العبادة، فيردّه أنّنا أثبتنا في البحوث الماضية ـ في تعريف الشرك في العبادة ـ أنّ هذا الطلب من الشفيع لا ينبع من الاعتقاد بأنّ الشفيع ربٌّ، أو فوّض إليه فعل الرب، بل ينبع من الاعتقاد بكونه عبداً من عباد اللّه قد منّ اللّه تعالى عليه بهذا المقام، ومنحه تلك المنزلة، فأيّ شرك في هذا؟!

ثانياً: أنّ المقالة المذكورة تنطوي على تناقض واضح، فكيف ياترى يمكن للإنسان أن يتصوّر أنّ اللّه سبحانه وتعالى منح طائفة من عباده هذه المنزلة والمقام لكي يتسنّى للآخرين الاستفادة منها وفي نفس الوقت ينهى عن طلبها منهم وسؤالهم إيّاها؟!

ـــــــــــــــــــــــــ
[1] الزخرف:86.
[۲] كشف الشبهات:16.


شاركوا هذا الخبر