لقد كثر في الأحاديث إنباؤه عليه السلام الناس بما يجول في خاطرهم وبما يأتي عليهم مستقبلًا، ولا يعني ذلك أن الأئمة عليهم السلام يعلمون الغيب، وإنما يعني أنهم عليهم السلام متصلون بالله سبحانه وتعالى عن طريق الإلهام أو عن طريق النبي صلى الله عليه واله، فيستقون معارفهم بشكل مباشر في حين يستقي سائر البشر معارفهم عبر الحواس والتجارب مثلًا.

وإذا أثبتت التجارب الحديثة وجود الحس السادس عند بعض الأفراد، سهل علينا أن نعتقد بأن شيئاً ما يوجد في بعض الأشخاص الذين يشاء الله لهم ذلك، أضف إلى ذلك أن الإيمان بقدرة الله واستطاعته على أن يفعل كل شيء دون أي استثناء، يحدو بالفرد إلى تقبُّل كل ممكن إذا ثبت أن الله قد أراده.

ورُوي أن والي مكة والمدينة (فرج الرغجي)، الذي كان من المعارضين لآل البيت، قال مرة لأبي جعفر عليه السلام: إِنَّ شِيعَتَكَ تَدَّعِي أَنَّكَ تَعْلَمُ كُلَّ مَاءٍ فِي دِجْلَةَ وَوَزْنَهُ، وَكُنَّا عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، فَقَالَ عليه السلام: يَقْدِرُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ عِلْمَ ذَلِكَ إِلَى بَعُوضَةٍ مِنْ خَلْقِهِ أَمْ لَا؟ يقول الراوي: فقال فرج: نَعَمْ يَقْدِرُ، فَقَالَ عليه السلام: أَنَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ بَعُوضَةٍ وَمِنْ أَكْثَرِ خَلْقِه [1].

نعم، إن الغرابة الناشئة عن الشك في قدرة الله لهي أوهى من الشك في ضياء الشمس، بل يبقى الريب في محله إذا كان في الرجل الذي يدّعي هذا المنصب الرفيع، فلا يستطيع المرء أن يتقبله إلَّا بعد الفحص والتدقيق، أما إذا كان في أهل بيت الرسول فسوف لا يبقى للشك مجال، بعد استفاضة حديث متواتر عن النبي صلى الله عليه واله في أنهم قدوة الخلق وأئمتهم، وبعد أن عرفنا أن كل إمام كان أعلم أهل زمانه في كل شيء منذ ان تنتقل إليه الخلافة الروحية، وكذلك كان النبي صلى الله عليه واله وأوصياؤه عليهم السلام جميعاً.

ويكفيك في الإمام الجواد ما سبق من أنه سئل في مجلس واحد ثلاثين ألف مسألة، فأجاب عنها وهو ابن ثمان أو تسع، وأنه كان في زهاء السادسة عشرة من عمره إذ حضر مجلس المأمون وباحث مع قاضي القضاة، فأفحمه إفحاماً، وإذا علمنا أن المأمون كان كما يحدثنا التاريخ أعلم الخلفاء العباسيين وأعرفهم بعلوم أهل زمانه، ثم رأيناه كيف يخشع لجلال ابن الرضا عليه السلام في المشاهد التي مضت علينا؛ نعرف معنى العلم الإلهي ونوعيته.

وإليك بعض الأحاديث التي تُنْبِئُنَا عن جانب من علم الإمام الجواد عليه السلام:

1- عن أمية بن علي قال: كُنْتُ مَعَ أَبِي الْحَسَنِ بِمَكَّةَ فِي السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا ثُمَّ صَارَ إِلَى خُرَاسَانَ وَمَعَهُ أَبُو جَعْفَر، وَأَبُو الْحَسَنِ يُوَدِّعُ الْبَيْتَ، فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ عَدَلَ إِلَى المَقَامِ فَصَلَّى عِنْدَهُ، فَصَارَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام عَلَى عُنُقِ مُوَفَّقٍ يَطُوفُ بِهِ، فَصَارَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الْحِجْر، فَجَلَسَ فِيهِ فَأَطَالَ، فَقَالَ لَهُ مُوَفَّقٌ: قُمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَبْرَحَ مِنْ مَكَانِي هَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ. وَاسْتَبَانَ فِي وَجْهِهِ الْغَمُّ، فَأَتَى مُوَفَّقٌ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ جَلَسَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام فِي الْحِجْرِ وَهُوَ يَأْبَى أَنْ يَقُومَ، فَقَامَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام فَأَتَى أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا حَبِيبِي، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ أَبْرَحَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، فَقَالَ: بَلَى يَا حَبِيبِي، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أَقُومُ وَقَدْ وَدَّعْتَ الْبَيْتَ وَدَاعاً لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قُمْ يَا حَبِيبِي، فَقَامَ مَعَهُ [۲].

2- كان يحيى بن أكثم قاضي القضاة في عهد المأمون، ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه تشيع أخيراً أو كان شيعيًّا، وينقل عنه أنه قال: فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ دَخَلْتُ أَطُوفُ بِقَبْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله فَرَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
عَلِيٍّ الرِّضَا يَطُوفُ بِهِ، فَنَاظَرْتُهُ فِي مَسَائِلَ عِنْدِي فَأَخْرَجَهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَإِنِّي وَاللهِ لَأَسْتَحْيِي مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: أَنَا أُخْبِرُكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي، تَسْأَلُنِي عَنِ الْإِمَامِ؟ فَقُلْتُ: هُوَ وَاللهِ هَذَا، فَقَالَ: أَنَا هُوَ، فَقُلْتُ: عَلَامَةٌ، فَكَانَ فِي يَدِهِ عَصًا فَنَطَقَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ مَوْلَايَ إِمَامُ هَذَا الزَّمَانِ وَهُوَ الْحُجَّة [۳].

3- نقل بعض الرواة أنه: اجْتَازَ المَأْمُونُ بِابْنِ الرِّضَا عليه السلام وَهُوَ بَيْنَ صِبْيَانٍ فَهَرَبُوا سِوَاهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا هَرَبْتَ فِي جُمْلَةِ الصِّبْيَانِ؟ قَالَ: مَا لِي ذَنْبٌ فَأَفِرَّ مِنْهُ، وَلَا الطَّرِيقُ ضَيِّقٌ فَأُوَسِّعَهُ عَلَيْكَ، سِرْ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: مَنْ تَكُونُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَيبْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهم السلام، فَقَالَ: مَا تَعْرِفُ مِنَ الْعُلُومِ؟ قَالَ: سَلْنِي عَنْ أَخْبَارِ السَّمَاوَاتِ، فَوَدَّعَهُ وَمَضَى، وَعَلَى يَدِهِ بَازٌ أَشْهَبُ يَطْلُبُ بِهِ الصَّيْدَ، فَلَمَّا بَعُدَ عَنْهُ نَهَضَ عَنْ يَدِهِ الْبَازُ فَنَظَرَ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ لَمْ يَرَ صَيْداً وَالْبَازُ يَثِبُ عَنْ يَدِه، فَأَرْسَلَهُ فَطَارَ يَطْلُبُ الْأُفُقَ، حَتَّى غَابَ عَنْ نَاظِرِهِ سَاعَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ وَقَدْ صَادَ حَيَّةً، فَوَضَعَ الْحَيَّةَ فِي بَيْتِ الطَّعْمِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ دَنَا حَتْفُ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى يَدِي، ثُمَّ عَادَ وَابْنُ الرِّضَا عليه السلام فِي جُمْلَةِ الصِّبْيَانِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ مِنْ أَخْبَارِ السَّمَاوَاتِ؟ فَقَال: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنِ النَّبِيِّ عَنْ جَبْرَئِيلَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْهَوَاءِ بَحْرٌ عَجَّاجٌ يَتَلَاطَمُ بِهِ الْأَمْوَاجُ فِيهِ حَيَّاتٌ خُضْرُ الْبُطُونِ رُقْطُ الظُّهُورِ يَصِيدُهَا المُلُوكُ بِالْبُزَاةِ الشُّهْبِ يُمْتَحَنُ بِهِ الْعُلَمَاءُ.
فَقَالَ: صَدَقْتَ وَصَدَقَ أَبُوكَ وَصَدَقَ جَدُّكَ وَصَدَقَ رَبُّكَ فَأَرْكَبَهُ، ثُمَّ زَوَّجَهُ أُمَّ الْفَضْل [۴].

4- ويُروى عن فاصدٍ طلبه الإمام أبو جعفر الثاني في عهد المأمون، فَقَالَ لَهُ: افْصِدْنِي فِي الْعِرْقِ الزَّاهِر، فَقَالَ لَهُ: مَا أَعْرِفُ هَذَا الْعِرْقَ يَا سَيِّدِي، وَلَا سَمِعْتُ بِهِ، فَأَرَاهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا فَصَدَهُ خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ أَصْفَرُ، فَجَرَى حَتَّى امْتَلَأَ الطَّشْتُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَمْسِكْهُ، وَأَمَرَ بِتَفْرِيغِ الطَّسْتِ، ثُمَّ قَالَ: خَلِّ عَنْهُ، فَخَرَجَ دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: شُدَّهُ الْآنَ، فَلَمَّا شَدَّ يَدَهُ أَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ دِينَار، فَأَخَذَهَا وَجَاءَ إِلَى يُوحَنَّا بْنِ بَخْتِيشُوعَ فَحَكَى لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا الْعِرْقِ مُذْ نَظَرْتُ فِي الطِّبِّ، وَلَكِنْ هَاهُنَا فُلَانٌ الْأُسْقُفُّ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ السِّنُونَ فَامْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمُهُ وَإِلَّا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَعْلَمُهُ، فَمَضَيَا وَدَخَلَا عَلَيْهِ وَقَصَّا الْقَصَصَ، فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ نَبِيًّا أَوْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نَبِيٍ [۵].

وهكذا تمضي الأحاديث تنقل عن الأئمة عجباً، ولكن لا عجب من أمر الله، إذ يشاء أن يجعل علمه ومعرفته وقوته وقدرته في إنسان امتحن قلبه، فزكّاه وطهّره تطهيراً.
ـــــــــــــــــــــــــ
[1] بحار الأنوار، ج 50، ص 100.
[۲] بحار الأنوار، ج 50، ص 63.
[۳] الكافي، ج 1، ص 353.
[۴] بحار الأنوار، ج 50، ص 56.
[۵] بحار الأنوار، ج 50، ص 57


شاركوا هذا الخبر