يكمن في الاتّحاد والوحدة رمز انتصار الأُمم وتغلّبها على المشاكل والعوائق التي تقع في طريقها، أو في الحقيقة أنّ سرّ تطوّر الأُمم وتكاملها ورقيّها رهين بمدى اتّحادها وإلفتها واستغلالها لجميع الطاقات والقدرات والإمكانات المودعة فيها مادية كانت أو معنوية، بل انّ أساس نظام الكون والحياة قائم على هذا القانون المحكم والسنّة الإلهية التي لا يمكن أن تتخلّف بحال من الأحوال أبداً وهو قانون «الاتّحاد والتآخي».

ونحن إذا ألقينا نظرة عابرة إلى عالم الطبيعة وغيره من العوالم نجد فاعلية هذا القانون بجلاء ووضوح لا ريب فيه، فالروافد الصغيرة تتحوّل باتّحادها إلى أنهار عملاقة، وهذه الأنهار باتّحادها تخلق بحاراً ومحيطات مترامية الأطراف تغطي قسماً كبيراً من سطح الكرة الأرضية.

وهكذا الأمر إذا نظرنا إلى قطرات المطر الصغيرة كيف تتحول إلى خزانات ماء كبيرة قادرة على تحريك عجلة أعظم المولّدات الكهربائية (التوربين) وانّها في نفس الوقت قادرة على إرواء أراض زراعية شاسعة جداً لتخلق في الأرض ـ إن صحّ التعبير ـ ثورة خضراء وانقلاباً نباتياً يبهر العيون ويحيّر الألباب.

كذلك الأمر بالنسبة إلى القطعات والآلات المتفرّقة للمصانع والماكنات فإنّها تتحوّل باتّحادها وترابطها إلى أجهزة عملاقة ومصانع كبيرة قادرة على صنع الأعاجيب، والكلام نفسه يجري في النباتات فإنّ الشجرة لا تثمر ولاتؤتي أُكلها إلاّ من خلال الاتّحاد والانسجام والتناسق بين جميع أعضائها من الجذور إلى الساق والأغصان والأوراق.

ثمّ إذا انتقلنا إلى الأُمور والمؤسسات التنظيمية في الحياة البشرية نجد فاعلية هذا القانون جليّة جداً، فسرّ نجاح المدرسة ـ على سبيل المثال ـ و تكاملها يكمن في الوحدة والتناسق بين جميع مكوناتها البشرية والمادية، ابتداءً بمدير المدرسة ومروراً بالأساتذة والكادر الفني والخدمي، وعروجاً على الطلاب، والأُمور المادية من الكتاب إلى اللوحات والمقاعد و…

بل انّ فهم الدروس واستيعاب المادة الدراسية هو الآخر رهين بتركيز الذهن وجميع القوى العقلية حول موضوع واحد وعنوان خاص. حكمه حكم الآلة الرافعة التي تركز جميع قدراتها على مركز وثقل واحد لتستطيع نقله من مكان إلى مكان آخر.

كما نجد أثر هذا القانون بوضوح في دراستنا لتاريخ الجيوش والحروب التي وقعت في العالم، فكم من جيش كان النصر حليفه والغلبة من نصيبه بسبب اتحاد قواه ومركزية قيادته، إذ يلتف حول قائد بصير ومحنّك ويعمل ضمن خطة موحدة ونظام مرسوم; وفي الوقت نفسه تجد الخيبة والخسران والهزيمة نصيب الجيش المنحلة قواه والمفكّكة عراه الذي تسوده الفوضى وعدم الانسجام، بحيث تجد كلّ فرقة منه أو فوج أو فصيل يعمل على شاكلته ويخطط لوحده ويتحرك بمفرده.

ولا غرابة إذا ما وجدنا مجموعة مكونة من 300رجل تنهزم وتؤسر من قبل رجلين أو ثلاث رجال فقط، وما هذا إلاّ بسبب وحدة الاثنين وتفرق الثلاثمائة!!

ولقد أحسن الحكيم العربي حينما جمع بنيه ليوصيهم بالوحدة والاتّحاد وليبين لهم أنّ سر نجاحهم في الحياة وتغلبهم على مشاق الحياة وصعابها يكمن في الاتحاد والتآخي ومعرفة مخاطر الاختلاف والفرقة، وان سر انهزامهم يكمن في التشتت والتشرذم، والقصة معروفة حيث أعطى الشيخ الكبير لكلّ واحد من أبنائه عصا وأمره بكسرها على انفراد، فتمكّن الجميع من كسر العصي، ثمّ جمع لهم العصي في حزمة واحدة فطلب منهم كسرها فعجز الجميع عن كسرها، فأنشد يقول:

كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى * خطب ولا تتفرقوا آحاداً

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً * وإذا افترقن تكسّرت آحادا[1]

إنّ العالم المعاصر الآن يحاول أن يتغلّب على المشاكل التي تعترض طريقه من خلال تشكيل المنظمات والهيئات الدولية و… التي يتم التجمع فيها لتبادل وجهات النظر وطرح الآراء والنظريات المتعددة ووضع الحلول المتنوعة والمقترحات المختلفة، ودراستها دراسة دقيقة ومتأنية والنظر إلى القضايا والمسائل من جميع أبعادها وزواياها، ثمّ الخروج بنتيجة تمثّل حصيلة التشاور وتبادل جميع الآراء وتلاقح الأفكار، بل هي في الحقيقة حصيلة وثمرة العقل الجماعي، بعيداً عن التزمّت والانفراد في الرأي واعمال الآراء الفردية.

وممّا لا ريب فيه أنّ تلاقح الأفكار وتعدّد وجهات النظر وطرح النظريات المختلفة ممّا يمنح الحقيقة دفعة قوية للانطلاق إلى الأمام والوصول إلى الهدف ويزيح الستار والغموض عن وجهها. نعم انّ في الاتحاد سر انتصار الأُمم وتطورها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] جاء في ديوان «گلستان سعدى» الباب الثالث، مجموعة أبيات تتّحد في مضمونها مع ما ذكرناه في المتن.


شاركوا هذا الخبر